طه عبد الرحمن

86

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

فقد تقدم أن مبدأ الاشتغال المباشر يوجب على المتخلّق أن يتعاطى التخلق عمليا ، مراعيا حكمة الفعل الخلقي ومآله ؛ ومعروف أن العمل أقوى أثرا من النظر ، ومعروف أيضا أن الحكمة والمآل يخرجان الفعل الخلقي من الجمود على حال واحدة ، ذلك أن اعتبار الحكمة يؤدي إلى تنشيط دواعي إنجاز هذا الفعل ، كما أن اعتبار المآل يفضي إلى تقوية مظاهر إنتاجه ؛ فإذن يكون مبدأ الاشتغال وسيلة إلى جعل الفعل الخلقي مؤثرا وناجزا ومنتجا ، وكلها أوصاف تدل على حيوية الفعل الخلقي عند المتخلّق المؤيّد . وسبق أيضا أن مبدأ التخلق بالأسماء الحسنى يوجب على المتخلّق أن يأتي بتخلقه على مقتضى الصفات الإلهية ، وليس في الصفات أدل على الحياة من صفات الإله عز وجل ؛ ومعلوم أن إحدى هذه الصفات هي بالذات صفة " الحي " ، وحيث إن الإله هو الحي الذي لا يموت ، فلا حياة أكمل من حياته ؛ وحيث إن كل صفة من صفاته المثلى تطوي في ذاتها كل الصفات الأخرى ، فلا صفة إلهية إلا وهي تتمتع بالحياة الأكمل ؛ وعليه ، فإذا دخل المتخلّق في التحقق بأحد أسمائه الحسنى ، فإنه يحيا حياة ليس كمثلها شيء ، قوة وامتلاء ، فتكون أفعاله فوّارة بالحياة الأسمى . وأخيرا ، لقد سلف أن مبدأ الاقتداء الحي يوجب على المتخلّق أن لا يعتمد في تخلقه على نفسه ولا على ميت أو غائب ، وإنما ينبغي أن يعتمد على شخص متخلق غيره يكون على قيد الحياة وعلى شرط الحضور ؛ يلزم من ذلك أن التخلّق المؤيّد عبارة عن تخلّق تشترك فيه مجموع جوارح المتخلّق وجوانحه ، بمعنى أنه يدخل في فعل التخلق بجمعيته ، حتى يستولي هذا الفعل على تمام أنفاسه وألحاظه وعلى تمام حركاته وسكناته ، بحيث تسري الحياة الخلقية سريانا في كل ذرة من ذرات بدنه وفي كل معنى من معاني روحه . وعلى الجملة ، فإن آفة التجميد التي أصابت الفعل الخلقي في حضارة القول - حتى كاد أن يكون عبارة عن فعل ميت - يمكن الخروج منها بإحدى وسائل العلاج الثلاث التالية : إما بالتوسل بأسباب الاشتغال الفعّال الذي يراعي الحكمة والمآل أو بالتخلق بأقدر الصفات الخلقية على الحياة والإحياء أو بالاستغراق في الفعل الخلقي استغراقا يشمل آلات الإدراك المختلفة ؛ وإذا تقرر هذا ، ظهر أن طرق التخلّق المؤيّد أقدر من غيرها على تقويم حضارة القول من جهة تحجر عطائها الخلقي .